العين السِّحرية

​ استيقظتُ على دبيب خطوات ثقيلة لم يكن بينها وبين أُذني سوى أقلّ مِن شِبر. رفعتُ ذراعي فصافح أشعة الشمس التي بدأت للتو تتسلل عبر جزيئات الهواء المثقلة ببُخار ساخن معلنة دخول يوم جديد. تمطّطت، ثم ارتفع جفن من أجفاني إلى الأعلى بكسل، وبقي الآخر منسدلا إذ لا طاقة لي برفعه. رمقت حذاء ضخما مثقوبا من جنبه يَفِرُّ إلى الداخل وكأن شيئا يلاحقه. تلاشى الحذاء كالسراب. تناءيت عن البوابة الحديدية الشاهقة التي كنت مستلقية بجوارها. وأسندت ظهري على حائط بعيد ومتوارٍ عن أعين القادمين. الإرهاق يكبّلني، فقد أوقظني صاحب الحذاء الضخم وجسدي المسكين لم يأخذ كفايته من النوم. ومن قلّة لباقته أيضا أنه لم يسمح لي بممارسة طقوس الاستيقاظ التي أمارسها كلما بزغ قرص الشمس، باستثناء طقس مصافحة شعاع الشمس الهادئ المتسلل. بصراحة، سخطت عليه وعلى هؤلاء الذين يوقظون المرء من النوم دون أن يعيروا اهتماما لزيارات حالات الأرق المباغتة. لا بأس على كل حال. هكذا هم زوار الفجأة، مزعجين وتعوزهم فنون الاتيكيت بعكس شعاع الشمس اللبق جدا. أخذت موقعي في منصتي الرئيسية لمشاهدة (فيلم الأحذية) اليومي. أحذية القادمين التي تلج تباعا من البوابة الحديدية الشاهقة. 

الآن بدأ الفيلم. هذا حذاء فخم فيما يبدو، فعلى جانبه الأيمن نقش بارز لماركة عالمية. الساقان اللتين يحملهما تمشيان على استحياء، وكأنهما تحتجان على الحذاء الفخم أو على النقش البارز على جانبه الأيمن فهما لا يتناسبان بتاتا مع وضع البيت الذي قَدِمَا منه للتو. حتى الحذاء يبدو متضجرا من التناقض الذي يعيشه. ففي الصباح ينتشي بمجاورة من هم على شاكلته من النبلاء وميسوري الحال. وحين يجثم الليل يلعن الحذاء الفخم حظه البائس الذي قذفه وسط أحذية فقيرة فقرا مقدعا. 

الأحذية الآن تمرّ سريعا من البوابة الحديدية وكأنها تحمل جنودا في حالة حرب. ركاب الأحذية مستعجلون، كُلٌّ يلهث خلف بغيته. طابور صباحي، إثبات حضور على جهاز البصمة، تنظيف لمكاتب الموظفين، وكوب قهوة الصباح. ولكل وجهة هو لاهث خلفها. 

هذا الحذاء غير آبه بدقّات الساعة وتأخرِ الوقت! قد كُسِفَ بثوب طويل أخفى جلّ مقدمته ولم يظهر منه غير القاع اللامع جدا. يبدو أن هذا الحذاء يلقى عناية خاصة خاصة. يُلمّع بخرقة صنعت له. يوضع على الخرقة قطرات من مستحضر تم جلبه من بلاد بعيدة يتردد عليها الأثرياء، ثم يفرك ببطء كل مساء قبل أن يستلقي على عرشه الصغير. الكف التي تفرك الحذاء كل مساء أخشن منه وأخشن من الخرقة.

 كان الحذاء الفخم يسير ببطء مستفز، وبموازاته حذاء أبيض يسير ببطء أيضا بيد أنه متهالك، وتعلوه أسمال بالية. حذاء أبيض اللون في الأصل، ومع فرط استخدامه في مواطن متعددة تحول بياضه إلى لون يشبه الرقعة الشاسعة التي كنت غافية عليها. رقعة رمادية، مخططة، هي للسواد أقرب منها للرمادي. يبدو أن هذا الحذاء نجم الاستعمالات التي لا تعد ولا تحصى. تظهر بطولاته في المناسبات، الذهاب إلى المدرسة، لعب الكرة في الحارة، الجري في الوحل كلما بكت غيمة صدفة في المدينة الملتهبة، شراء خبز للبيت صباحا قبل المدرسة ومساء بعد صلاة العشاء، للصلاة في مسجد الحي وللمعلومية فلم يحصل أن فكّر أحد بسرقته يوما فهو غير كفء ليتعرض للسرقة. 

افففففففففففف. رائحة هذا الحذاء تخترق جيوبي الأنفية رغم البون الشاسع بيننا. رائحة نتنة مقززة أوقفت كل شعر جسدي وأقاوم رغبة عصارة معدتي في الخروج من فمي تعبيرا عن استيائها من فظاعة الرائحة. من أي جحيم أتى هذا الحذاء؟ جاهدت لأصوب نظري تجاهه وأتفرس فيه. حذاء أسود، قاعدته متينة وشبه خرسانية كأنها مخصصة لتسلق الجبال، حبال متينة تتقاطع على سطحه، وعلى ما يبدو أنه نُقِع في سطل تراب. نهشني الفضول لأرفع بصري وأتفرج على الساقين التي يحملهما هذا الحذاء العجيب، الحذاء النتن. ساقان برزت عروقهما، الشعر كثيف، ولم يغطي الساقين ثوب بل بنطال ينتهي عند منتصف الساق. ساقان كوتهما الشمس، أما السمانتين فممتلئة صلبة. ركضت ناحية مربع أخضر قرب الحائط المتواري فيه الكثير من الزهور ليعود لي وعيي الذي فقدته مع رائحة الحذاء العجيب .. الحذاء النتن. ذلك النتن الذي راكمته أيام عمل شاق في الحفر والتحميل والبناء والأعمال الشاقة. لا أدري لم أنا مستاءة من الحذاء ومن يحمله. ربما الرائحة ولا غيرها. مع أن الرائحة الفظيعة تخفي حكاية حاجة أوجبت مشقة. 

عدت من جديد لمنصتي بعد أن أدّى أريج الزهور مهمته بنجاح. الفيلم لم ينتهِ بعد. ما هذا الحذاء الذي فاق سابقه غرابة؟! يدٌ ما عبثت به من قبل. عبث من ذلك النوع الذي يصلح الأشياء ولا يفسدها. في مقدمة الحذاء آثار خياطة. كأن كفَّاً منسية تشققت كالتربة من فرط الحرث قد فعلت فعلها في جرح أصاب مقدمة الحذاء. الكفّ تخيط الجرح بتؤدة، وهدوء. الخيط غير كاف لالتئام الجرح. قطرات العرق تكمل العملية الجراحية. الجرح لن يلتئم بدون كفّ حانية، وخيط ناعم، وعرق كالندى. 

خفّ التدافع. انتهت حرب الصباح. ركاب الأحذية في مواقعهم كل يؤدي ما هو مطلوب منه. لم يبق معي سوى ظل البوابة الحديدية أنيسا. عدت للتجول على  الرقعة الرمادية المخططة التي تملأ المكان. أبحث عن وجبة عابرة تسد جوعي. الحمدلله، لست بحاجة لأحذية. يمكنني التجول بقدمين حافيتين في أي بقعة بالعالم. كل أبناء جلدتي على شاكلتي لا يرتدون الأحذية. لا المثقوبة ولا اللامعة ولا حتى ذات الرائحة النتنة. لا نحتاجها أصلا، وإذا احتجناها فلن تكون دليلاً على التباين الهائل في مراتبنا الاجتماعية. سنرتديها فقط – إذا احتجنا لذلك – لنحمي أقدامنا من غضب الأرض. فليس هناك داع ليكون حذائي وسيلة لوطء شيء آخر غير قشرة الكوكب الذي نعيش عليه. 

الحمدلله، بقايا سمكة، وجبة دسمة للإفطار. 

انهمكت القطة الحافية صاحبة العين السحرية في التهام وجبتها، وذيلها يتراقص يمنة ويسرة.

Advertisements

تحت المطر – تأمُّل

بصخب، ينقر المطر الصفيح المموج للمنزل الخشبي الذي أسكن فيه منذ خمسة أيام بلا كلل. صَيِّبٌ لم يستأذن قبل هطوله بتحية رعدية، بل دشّن حضوره المفاجئ بوشيش مرتفع للقطرات وهي تلمس السطوح وأوراق الشجر. أسمع زخّاته وكأنها من شدتها توشك أن تخرق الصفيح المعدني الصلد بل وحتى الخشب تحته. أخرج من الباب لأرى الشارع المبلل وأشم رائحة الماء الممتزج بالطين والعشب. أرفع رأسي وأدقق في الركام المكفهر الذي غطى قبة السماء وحاصر الشمس ولم يترك لها سوى ثقب يتسلل منه شعاع قرمزي هزيل لوّن أجزاء من السماء بلون بنفسجي باهت. ميازيب المنازل المجاورة ذات الطابق الواحد تسقي الحشائش الصغيرة التي نبتت من الأرصفة والجدران المعتادة على هذا الطقس المائي. في منزل مجاور أرى كلبا يتلوى نافشا وبره المبلل فتتطاير منه قطرات في الهواء. مرأة تمشي وتدفع عربة رضيعها. على ذراع العربة كيس معلّق بَرَزَ في أعلاه قمة خبز فرنسي شاهق لم يسلم من المطر. كل ذلك وأنا لم أتجاوز بعد عتبة الباب. استدرت، دخلت المنزل، التقطت معطفي الجلدي مقررا الخروج بسرعة وتحسس ما لا أحسه في مدينتي إلا فيما ندر. 
خطواتي تتتابع ويتطاير الماء من جنبات حذائي الرياضي. أُصَوِّب نظري ناحية المبنى الشامخ في نهاية الشارع أراه وقد خنع لسطوة المطر. عقارب الساعة الكبيرة على ناصية المبنى تشير للثانية عشر ظهرا وهو أحد الأوقات التي يُقرع فيها الجرس الضخم من الداخل ليبارك اليسوع ومريم العذراء المصلين هناك. ما زال رأسي شاخصا للأعلى، أمسح عن عيني الماء لأميّز المبنى الأخضر على يمين الكنيسة بمنارته التي يعلوها هلال أخضر صغير تتدلى منه قطرات بسلاسة. أخفض رأسي قليلا لأرى رجلا مستظلا بصفيح معلق بمبنى على يسار الكنيسة يرتدي معطفا مقاوما للمطر وبجواره دراجة نارية قديمة على مقعدها الخلفي صندوق زجاجي في ركنه العلوي الأيمن ورقة مكتوب فيها ” فطائر روتي ” بالفرنسية. الناس يمرون على الرجل تباعا ليلتهموا وجبة غدائهم اليومية ويكملوا سيرهم مهرولين خشية أن يتسلل الماء لملابسهم الداخلية من شدته! 
تغيب الشمس ولم يُسمح لها بملامسة النوافذ والشوارع والوجوه إلا خلسة. يَحِلُّ الظلام ويزيد صخب المطر. أضع كفّيّ في جيوب معطفي الجلدي عازما العودة للمنزل. أتوقف قليلا وأنا أراقب بائع الروتي وقد حزم متاعه وانطلق. وبينما عينيّ تلاحقانه ألمح شابا وفتاة يحتميان بشمسيّة وهُم في لحظة تماسّ حارة لم تغلبها سطوة المطر…

زلزال

​في مكان غير بعيد عن ناظري، خيمة يبدوا أنها نُصِبَت منذ عهد غابر. أتردد على زيارتها منذ كنت غضا. وفي كل مرة تستقبلني شمس المكان وتدغدغ بشرتي بأشعتها الهادئة. وطيور القطا تطعم فراخها ثم تهدهدهم ليرقدوا. في جمال ينبؤ أن كل شيء عندها مستقر في فَلَكِه.
 لا أدري. شيء ما -وأنا أراقب الخيمة هذه المرة- أربك المكان الذي لم يتبدل منذ سنين!. غبرةٌ مسّت الجوّ، فانزوت الشمس، واختفت طيور القطا. أما أوتاد الخيمة المغروسة بجنبات الأرض فقد اهتزّت بعنف. ثم اجتثّها شيءٌ ما بالجوار لتسقط الخيمة العتيقة الضخمة كجثة هامدة. انقضّت سريعا ولم تصمد أمام هذه القوة الغامضة. تلفّتّ من موقعي ذاك يمنة ويسرة وبي هلع. أحاول مسك طرف خيط يكشف لي عما حُجِب عني.  ووسط الحدث المضطرب رمقت عجوزا مهيبا في أقصى المكان. كانت هذه المرة الأولى من سنوات التي أكتشف فيها وجود بشري غيري في المكان!. فركت عيني. حدقت بتركيز عليه. أحاول أن أعرف ما الذي يعبث به بين يديه في حين أني لم أقترب منه إذ أن نبضات قلبي المسرعة طالبتني بالإحجام عن فعل كهذا. عجوز بلحية ثلجية. منكفئ على شيء ما. كأنه مفتاح السر الذي أبحث عنه الآن. سر سقوط الخيمة العتيقة الضخمة. 

التفت إلي فجأة. فزعت بداية ثم هدأت بفعل ابتسامته التي أشرقت عليّ. ثم سمعته يقول بصوت حنون وعميق كأنه منبعث من بئر:” فزعت مما حصل بالخيمة، صحيح؟! “. أجبته وقد خفّ هلعي وانتظمت نبضات قلبي:” طبعا. منذ طفولتي والخيمة راسخة. ولأول مرة في حياتي تسقط!”. ضحك بصوت عال. ثم قام بحركة مقصودة وكأنه يكشف لي ما كان منكفئا عليه. قلعة رملية كتلك التي يبنيها الأطفال على الشواطئ. ولم يمنحني وقتا طويلا لأتأمل في بديع صنعها ودقة تفاصيلها ليلطمها بجاروف كان بجواره فتداعت فورا، وهو ما زال يضحك. ثم التفت إلي مرة أخرى وقال:” ما الفرق بين هذه القلعة وخيمتك العتيقة؟”. قلت:” ما وجه الشبه أصلا؟!” ردّ:” نبيهٌ أنت. هذه وتلك، ظنّ من شَيَّدها بأنها ثابتة لا تتزحزح. سرمدية لا تفنى. لم يحتط لزوبعة مباغتة تهدم كل شيء. لم يفكر في أن كل شيء ثابت ومتحرك في آن. لم يأل جهدا في تثبيت البناء وترسية قواعده دون أن ينظر في طبيعة الكون المتحركة دوما وأبدا”. قلت له:” إذا تريدنا أن نبني رمالا متحركة! هذا مستحيل!” فضحك مرة أخرى، ثم سكت وابتسامة تملأ وجهه:” البناء الحقيقي لا يتوقف عن التوسع بهدوء. ثابت ومتحرك في آن. البناء الزائف صلد مقاوم لنواميس الكون. ومهما علا فسيتهاوى يقينا. ليس جيدا أن تحصر نفسك في قلاع هرمة بناها غيرك”. 

غادرني فجأة كما ظهر فجأة. واستمرت كلماته تتردد في جمجمتي. تبدّى لي لم اكفهرّت السماء، وتزلزلت الأرض، ولم خَرَّت الخيمة صريعة.

تعزية رسمية

يوما ما،
وبالنيابة عنك عزيزي القارئ،
سيؤدي السيد ( موت )،
واجب العزاء الرسمي،
لكل ما لا ينتمي لكينونتك،
لكل ما ليس منك،
لكل شعار أجوف طبّلت له دون أن تحياه،
لكل لحظة هربَت منك نحو الماضي أو المستقبل،
لكل خوف اقتات على عُمُرِك،
لكل سجن حبست نفسك فيه مع أن الباب مفتوح والسجّان نائم،
لكل ضجيج ملأ عقلك،
لكل عاطفة هوجاء صرعتك،
لكل خردة خلفتها لمن بعدك،
حتى الياقوتة النادرة التي ورثتها عن أجدادك العِظام.
يتركك السيد ( موت ) وحيدا،
عاريا من كل شيء،
عدا أمور بسيطة سترافقك هنا و هناك.
سيؤدي واجبه بكل احترام ونبل،
ثم يسير ليكمل عمله،
في مكان آخر.

سـ: ما الذي سيحدث لنا كراشدين عندما نتفاعل كالأطفال؟

راقب أي طفل حولك. أو اذهب لأي مكان يتصرف فيه الطفل على سجيته واكتف بتأمل المشهد. لاحظ طريقة تفاعله مع الناس. ركز أكثر على انفعالاته العاطفية تجاههم.

هل لفتك شيء غريب عنك، مألوف للطفل في عالمه الرحب؟!.

نعم،
الطفل نتيجة عيشه في حدائق البراءة. تلك البقعة المضيئة خارج الزمان والمكان. يتفاعل مع البيئة بدون نظام تشغيل وأكواد تصنيف وأحكام. إلا أنه أيضا يتفاعل بتطرّف. كيف؟ هذا موضوعنا في هذا المقال.
أثناء مراقبتك للطفل في عالمه. جرب أن تنزع منه لعبة بيده. سيبكي فورا بطريقة هيستيرية. تعبيرا عن غضبه وتضجره من هجومك الغاشم. جرب الان أمرا آخر، في مكان آخر، وهو أن ترمي هذا الطفل في مسبح صغير. سيصرخ هلعا ما لم يكن قد تدرب على السباحة قبلا. أما هذه المرة، فمارس إغراءه بقطعة حلوى تمسك طرفها بأصابعك وتحركها يمنة ويسرة، سينقض عليك واللعاب يسيل من فمه.
هذه الانفعالات الآنية تحدث فورا دون أن تمر بفلتر ( ضَبط ). ولذلك قد يضحك الطفل، ويبكي، ويصرخ، ويغني، ثم ينام، ويستيقظ فجأة طلبا للحمام أو الأكل في غضون ٥ دقائق فقط أو أقل!. الطفل لم يتعلم بعدُ فن ( التريث ) و ( تأجيل الرغبة ). هو الآمر الناهي. والبطل المتفرد الذي تُلبّى جميع احتياجاته عندما يطلق صفارة الإنذار. يحصل هذا بالتأكيد في عالم الممكن الشاسع عند أبناء السادة والنبلاء. ولنغض الطرف قارئي الكريم عن أطفال الفقراء الذين لا ينطبق عليهم حديثنا هذا. فهم يهرمون مبكرا، ومبكرا جدا. ويموتون بدون ضجيج.

نعود لسؤالنا الرئيس مرة أخرى:
ما الذي سيحدث لنا كراشدين عندما نتفاعل كالأطفال؟ – على مستوى الانفعالات العاطفية تحديدا -.

سنصاب بـ ( دوغمائية عاطفية ). فالدوغمائية لم تحتل مساحات واسعة في كتب الفكر والفلسفة وعقلية الفرد العربي فقط. بل اجتاحته حتى في عواطفه ومشاعره. تجد العربي غالبا يترنح بين طرفي نقيض. إما حالة انفجارات عاطفية غير منضبطة، تسودها انفعالات متضخمة. ولا تتاح فرصة فيها ليأخذ التفاعل مجراه ويظهر بطريقة جميلة معتدلة، بدلا من طفوه على السطح بسذاجة طفولية.
أو حالة أخرى سننعتها بحالة التصخر. يصبح المرء بسببها كائنا غير إنساني. يتعطل الجانب العاطفي لديه. ويتعامل مع من حوله بأسلوب آلي لا روح فيه ولا مشاعر.

إذا كيف نتصرف مع هذه الإشكالية؟

سأقترح بداية، أننا نحتاج لتفاعلات عاطفية راشدة لا مكان فيها للتهويل اللفظي المنعزل عن التعبير العملي – الأهم -. خاصة وأننا ثقافة برعت لغويا في وصف الانفعالات والعواطف ولم تلتفت لعالم الأحاسيس الأكثر صدقا وعمقا.
كما نحتاج أيضا لإنشاء قاموس الانفعالات البشرية الخاص بنا وبثقافتنا. إذ أننا لا نستخدم سوى بضع كلمات بلاستيكية للتعبير عن كم هائل من المشاعر والأحاسيس الإنسانية. فقرٌ في الكلمات التي تصف الأشياء كما هي، وتسميها كما هي، بلا ادّعاء.
وأظن أن هذا القاموس المتجدد سيقلق أولئك المتقوقعين والمعلبين والمتصخرين. فكلماته المسطورة ستكون أفعال وممارسات يومية يتداولها الناس فيما بينهم لتصبح أسلوب حياة ينفي إشكالية الأمّيّة الحسّيّة. حينها لن يجد أبناء الصخر والقواقع بُدَّاً من التفاعل الخَلّاق مع المحيط. فالصحراء القاحلة تخضر إن حاصرها الغيث، طوعا أو كرها. وبذلك تكون تفاعلاتنا متزنة مع من حولنا بعيدا عن المفرقعات والقواقع.

أخيرا،
ما الذي سيحدث لنا كراشدين عندما نتفاعل كراشدين؟..

اعترافات النَّار

دعني أفاجئك،
بمعلومة مُغَيَّبة،
وبسيطة،
أبتدؤها بسؤال،
النار، أتعرفها؟
ستجيب: نعم،
جميل،
ماذا لو قلت لك،
بأن النار منصفة،
عادلة،
وتقوم بواجبها على أكمل وجه،
متعجب أنت؟!
وكأنك تريد دليلا على ادعائي،
هاك.

قديما،
حكوا أن النار أَدلَت بمجموعة من الاعترافات،
– الاعتراف الأول:
أنها تأكل ما يتفاعل معها.
– الاعتراف الثاني:
أنها تحتار في الفراغ،
وتنتابها حالة هلع من غياب الهواء،
فإن أصرّ على الغياب انطفأت،
الهواء يبقي جذوتها مشتعلة،
وباختفائه تصير رمادا.

دقيقة،
انتظر قليلا،
فاعترافات النارلم تنته بعد.
– الاعتراف الثالث:
صرّحت النار بأنها لن تمسّنا،
بشرط واحد وهو:
أن نتريث في مساحتنا الخاصة،
المساحة الفارغة الخالية من الهواء،
والمخصصة للأفعال الحرّة،
الأفعال الغير قابلة للاشتعال.

لا أزال أقلّب صفحات المفكرة،
مفكرة اعترافات النار،
وجدت حكاية لطيفة في وسطها،
عن فتى يقال له إبراهيم،
قيّده النمرود ومن معه،
جهّزوه للشّواء،
في يوم عيد،
ثأرا لعواطفهم،
ولأيدلوجيتهم،
ولما يؤمنون به.

كان المشهد يغلي،
ألسنة اللهب تلحس السماء،
مع ذلك،
إبراهيم هادئ جدا،
كان على دراية باعترافات النار،
قبل جمعها في مفكرة.

أغاظهم هدوؤه،
فقذفوه بالمنجنيق،
ناحية جهنم التي صنعتها أيديهم،
وفي الجَوّ،
جرى اتفاق سري سريع بين طرفين.

– الطرف الأول: إبراهيم.

إبراهيم لن ينفعل،
سيمارس حقه الإنساني في مساحته الخاصة،
المساحة الفارغة،
الخالية من الهواء.

– الطرف الثاني: النار.

النار أنجزت وعدها،
لم تنطفئ،
ولم تهلع،
فقط،
صارت بردا وسلاما،
سلاما على إبراهيم.

بين أرضين

جيفة ملقاة
على أرض جدجد متشققة،
لا ضوء يحيط بها،
أو هواء.
حول الجيفة،
طواف وضوضاء.
غربان تسير،
تنعق.
تتشابك حينا،
وتتشاغل بالنهش حينا،
كل همها الفوز بحصتها،
ثم الطيران.

تأذيت،
تراجعت،
ثم استدرت،
لأرى رجلا مديدا،
يقف غير بعيد،
ويشعر منه نور،
كان جسده قد صار مصباحا.

فجأة،
خفت النعيق ،
صفقت أجنحة الغربان،
وهي تطير مبتعدة بهلع.
لقد صار الضوء المنبع،
من جسد الرجل أسهما،
تطارد الغربان.

زاد عجبي،
فدققت في الرجل،
لأراه منتصبا بقدمين، مغروستين في التراب،
وبلبل يغني على كتفه الأيمن،
وعينان ساهمتان تنظران في السحاب.
لم ينطق الرجل ولم يحرك ساكنا،
لكن أمرا ما راح يتبدل من حوله وعليه؛ حول الساقين راح النجيل ينمو بسرعة وينتشر،
ومن صدره نمت براعم وأغصان، حتى صار الرجل بعد لحظات،
باسقة في جنة،
بتاج أخضر،
ويقفز على أغصانها،
بلبل.