ضد الكسر

ضد الكسر – سرد قصصي.

أنا عثمان. والتقيت اليوم صديق الصبا محمد بعد غياب عشرين سنة. وجلسنا على نفس الكرسي الخشبي بحديقة السجى في شارع ذي النورين بالشرفية. كنا، في الماضي، نجلس عليه لندردرش ونتبادل الحكايات والأخبار حتى هاجر محمد. سألته عن حاله وأحواله ورد لي بالمثل. واسترجعنا شريط ذكريات شباب الحارة فردا فردا حتى وصلنا لجلال..
جلال كان صبيا أزهرا، نحيل البنية، ضامر الوجه، غائر العينين، كانوا يصفونه في الحارة بالعُصّ. وكان عاشقا للكرة وهدافا بارعا رغم صغره وضموره..

وبدأ محمد بسؤالي عنه بحكم أنه كان قريبا جدا مني ومنه:
– “تفتكره؟”
– “اكيد فاكره، من أيام ما كان مجنون كورة.”
– “انا لحقته وهو مرة صغير بعدين هاجرت بره البلد أدور على جواز احسن من جوازي الخايس. بس سمعت انه ما كمل في نادي الاتحاد.”
– “دخل براعم وصعدوه أشبال لما شافوا الواد فنان. مشكلته كانت دواري الحواري. جابت أجله.”
– “ليه، ايش صار؟”
– ” في ملعب الصخرة، مباراة قبل نهائي. كانوا متعادلين. وقبل ما ينتهي الشوط الثاني بدقيقتين جلال كسر التسلل وانفرد بالحارس. وفجأة عينه ما تشوف إلا النور. مدافع انبرشله من ورا وجاب اجله. شفت المنظر بعيني ذاك اليوم ومستحيل انساه..”
– “ايش شفت؟”
– ” شفت عظمة خرجت من الجلد. دخلناه طوارئ بخش وطلع كسر مضاعف ومفتوح بعظمة الساق. وعملوا له عملية وفشلت.” ثم أردفت:” أتخيل، ستة عمليات بعدها في أربعة مستشفيات وستة دكاترة. ما نجحت منها إلا الأخيرة ومش بنسبة 100%. اللي يقلك صابته عين، واللي يقول غلطة أهله اللي سابوه يلعب في الحواري. المهم، افتكر لما زرته بعد العملية السادسة كان محبط تماما ويبغى يرجع يمشي بس.”
– “اففف، وايش سوى بعدها؟”
– “للأسف، قله الدكتور انه حيركب له جهاز اليزاروف عشان ترجع العظمة لمكانها. وانه لو ربنا لطف بيه فكل اللي حيقدر يسويه إنه يمشي ويهرول بس. مرت سنتين واحنا نشوفه بالجهاز المرعب ده. والكل يتمناله انه ربنا يلطف بيه.”

وأكملت:” المهم يا سيدي.. اللي ما يعرفه كتيرين. انه جلال بعد ما رجع البيت. وطفش من جلسة المباريات والافلام. دخل على اليوتيوب وكان دوبه طالع فطاح في حقين كمال الاجسام، وصاروا شغله الشاغل. كنت ازوره يوميا عشان أونسه. وفي يوم زاره الواد اللي كسره وهو يستسمحه. جلال رغم وضعه سامحه. وطلب منه يعرفه على قريبه الكابتن أبو مروان.. فاكره؟”
– “وفيه أحد ما يعرف داك الوحش!” أجابني محمد بتعجب.
– “الحمدلله فكوا الجهاز. وبدا علاج طبيعي. وبعدها دخل مع ابو مروان وقرر يتبناه. لأنه على كلامه ديك الأيام ما مر عليه أحد بشخصية زي شخصية جلال.”
– “عجيب والله.. وايش صار بعدين؟”
– “رجع جلال. وبدا جسمه يتجاوب مع البرنامج الرياضي والغذائي اللي سواه الكابتن. وقرروا يجهزوا لبطولة فتنس بعد سنة ونص. ما مشي الحال في ديك البطولة، بس جلال من بعدها صار كمال الاجسام زي الاكل وشرب الموية في يومه. وقرر كمان يشارك في بطولة السنة الجاية. اتخيل ايامها كان وقت الجيم عنده زي وقت الصلاة!”
– “عجيب والله، انا وصلني انه صار ضابط كمان، صح؟”
– “اوووه، اترقى وصار مقدم. وفاز ببطولة الفتنس. والى يومك ده وهو مدرب شخصي في الجيم اللي جنب بيته وما يقصر مع اي احد يساله او يحتاجه.”
– “وما فكر يرجع للكورة؟ لسه عمره يسمح.”
– “سألته مرة وقلي: مستحيل ارجع، حياتي مرة حلوة هنا (يقصد كمال الأجسام).” أجبت محمد مبتسما.

وفي هذه اللحظة بالتحديد، تفاجأنا بجلال الصبي النحيل ذو الوجه الضامر، واقفا على كشك هندي بسور الحديقة يبيع شاي الماسالا. كان يشرب ذلك الشاي يوميا في صغره، ويبدو أنه لم يغير عادته في الكبر. في الحقيقة، لم نعرفه إلا من بعض ملامح وجهه التي لم تتغير، أما باقي أجزاء جسده فقد تبدلت بالكامل. لمحنا، ولم ينس العيش والملح وشباب حارته الكبار. سلم علينا وتبادلنا الأخبار. ودّعنا بعد ذلك ليدرك تمرينه في الجيم..

كتبه: عمر أحمد،

جدة، السبت ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٠م.

الصياد في المصيدة.

الصياد في المصيدة – قصة قصيرة.

على شاطئ مايبو Mahebourg بجزيرة منسية كثيفة النماء والخضرة وسط المحيط الهندي تسمى موريشيوس. 

صياد أسمر من أصول مالاغاسية (خليط إفريقي آسيوي)، بوجه مستدير، جبهة عريضة، أنف أفطس، وشفتين مبرومتين، جسد مربوع، بمنكبين عريضين، صدر بارز، وسيقان مشدودة السمانتين كسيقان عداء.

الصياد كان يستيقظ كل صباح عندما تبزغ الشمس على شاطئ مايبو، حيث يصبح لون المياه متلألئا مثل قشرة سمكة ذهبية عملاقة. والرباب (وصف للسحاب المتفرق في السماء بشكل عرضي) يصير سبائخ (السَّبِيخَةُ ما تَناثَرَ من ريشِ الطائرِ) تشبعت حوافها بحبر ذهبي ثخين. وجلود البشر الذين يمشون في الأرض بشتى مشاربهم وعروقهم تلمع كمصنوعات جلدية فاخرة بللها الندى بمحل فخم خافتة أضواؤه.

عند كل صباح من هذه الصباحات الساحرة، يعض الصياد على سيجارته المشتعلة، وبين كفيه الخشنتين صنارة صيده التي يتأكد من سلامة بكرتها قبل أن يرمي خيطها في مياه المحيط. وبعد أن يجهز كل شيء، يدخل من بوابة نقابة الصيادين على الشاطئ، ويخطو بثقة على سقالة خشبية قبل أن يركب قاربه العتيق، ثم يجدف في جو ساكن ليقف على بعد نصف كيلو من الشاطئ ويرمي صنارته.

تهدأ فورة الشمس مع مرور الساعات. وتهبط رويدا رويدا قبل أن تبتلعها مياه المحيط معلنة دخول ليل دامس إلا من نجوم مضيئة متناثرة على قبة السماء. وقبل أن يجثم الليل يعود الصياد من حيث أتى، واضعا صنارته في مكانها، وقد حصل على ما كتبته له الأقدار من أسماك قليلة مختلفا ألوانها وأحجامها؛ فكما هو معروف بأن الأسماك في مياه المحيط أقل منها في مياه البحار والأنهار.

يعود الصياد إلى بيته وفي سلته رزق اليوم الذي سيبيع منه شيئا ويبقي شيئا ليأكل منه هو وزوجته. ويوما بعد يوم يذهب الصياد في الصباح ويعود إلى داره في الليل ليستعد لشروق جديد، وصيد أسماك من جديد.

 

وفي ليلة من الليالي، وبعد انتهاء العشاء، وأثناء شرب كوب شاي موريشيسي بالفانيليا، دار بين الصياد وزوجته الحوار التالي:

“حبيبي، ألم تقل لي البارحة نفس الكلمة في نفس التوقيت!” الزوجة سألت باستغراب.

“نعم، ولا أدري لماذا تتكرر الأحداث منذ يومين بنفس الطريقة!” أجابها الصياد بخوف.

ثم قام من مقعده لينزوي في غرفته وهو يفكر في سلسلة من الأحداث التي تكررت بنفس الطريقة خلال اليومين الماضيين. شيء ما في عجلة الزمن يدور بغير الطريقة التي كانت تحصل في السابق. وزوجته أكدت له شكوكه التي كان يتجنب مواجهتها.

وفي اليوم التالي، وبينما يسحب الصياد خيط صنارته من المحيط الذي تحول سطحه لمرآة صقيلة قبل الغروب. تفاجأ بأن السمكة الوحيدة التي صادها البارحة ثم التهمها مع زوجته على العشاء، هي نفس السمكة التي يراها اليوم متعلقة بالصنارة! نفس الحجم، نفس الخياشيم، نفس العين السوداء التي تحيطها هالة ذهبية لامعة حول البؤبؤ، بل وبنفس الطريقة التي التقمت بها الطعم، فأصابته نوبة هلع وهو قابض عليها بكلتا كفيه وعينيه ساهمتين نحو سماء قرمزية بحثا عن تفسير لما يحدث.

 

عاد الصياد إلى بيته وفي يده السمكة الوحيدة، وجلس مع زوجته ودار بينهما الحوار التالي:

“حبيبي، ألم تقل لي البارحة نفس الجملة في نفس التوقيت!” الزوجة سألت باستغراب.

“نعم، ولا أدري لماذا تتكرر الأحداث منذ يومين بنفس الطريقة!” أجابها الصياد مذهولا.

وفي هذه اللحظة بالتحديد، دب الرعب في أوصال الصياد. فكل الأحداث تتكرر كما هي، وفي نفس التوقيت، وبنفس الكيفية. وعلى ما يبدو أن أمرا قد حصل جعل ترتيب الأحداث في عجلة الزمن يعيد نفسه دون توقف.

الصياد، الآن، مستلق على ظهره بجوار زوجته التي غطت في سبات عميق. عقله لا يتوقف عن التفكير فيما يحصل. محاولا البحث عن حل للمعضلة التي لا يدري كيف حصلت وكيف سيخرج منها؟

وما زالت الأحداث تتكرر كما هي منذ شهر. والصياد وحيدا من يلحظ ذلك وسط الناس. حتى زوجته لا تلاحظ أنها تكرر نفس الجملة كل يوم!

عذرا عزيزي القارئ، فسأتوقف الآن عن سرد أحداث حكاية الصياد الأسمر، وأتركه ليحكي بلسانه عن مأزقه بكل وضوح وشفافية..

 

“في الحقيقة، لا أدري. هل ما يحصل حقيقة أم وهم. كنت أستيقظ كل يوم في موعدي لأقتات. وأعود بنهاية اليوم لأتسامر مع زوجتي ثم ننام استعدادا ليوم جديد. وكنا نستقبل إجازة نهاية الأسبوع ببعض الحماسة لتغيير روتين أسبوع العمل. منذ شهر والأمور لا تصير على ما يرام. فعقارب الساعة تدور وتدور وتدور بيد أن الأحداث على ترتيب خط الزمن تتكرر كما هي بدون أي تغيير. كان الأمر مخيفا في البداية. والآن أصبح مرعبا، خاصة وأنني الوحيد الذي يشعر بما يحدث.

تمر الأيام، يوما تلو يوم، وأنا على نفس المنوال. ولا أستطيع حتى أن أبكي لأنفس عن مشاعر الرعب التي تنتابني مما يحدث. لم يكن لعقلي مجال سوى للتفكير بنفس الأفكار، والشعور بنفس المشاعر كل يوم. لم أكن أستطيع سوى أن أهرب في عالم الأحلام أثناء نومي لأتمكن من كسر هذه الحلقة المرعبة. وللأسف، حتى أحلامي أصبحت مسلسلا لا تظهر منه سوى الحلقة الأولى مكررة كل يوم، وفي نفس التوقيت.

وفي يوم ما، يلوح في الأفق قارب ثم يختفي. قارب يشبه قاربي، وعلى متنه شبح رجل أعجز عن تبين ملامحه لبعد المسافة بيننا. في كل يوم أذهب لنفس النقطة التي أصيد منها على بعد نصف كيلو من الشاطئ. وألاحظ ذلك القارب الذي يظهر ويختفي. 

ذات ليلة أعود للبيت. وأفاجؤ برجل غريب يشرب الشاي مع زوجتي – ولأول مرة منذ شهر يحصل حدث غير مكرر -. الغريب يجلس وبين يديه شبكة صيد؛ سمعت عنها ورأيتها إلا أنني لم أستخدمها يوما. أدخل البيت، وأسلم عليه، وأنا أتفرس ملامحه. وبذهني تساؤلات وعلى وجهي استفهامات تلاحظها زوجتي فتطمئنني وتطلب مني الجلوس والتحدث مع الرجل. ثم تنشغل هي في المطبخ لتصنع طعام العشاء بنفس السمكة التي نأكلها منذ أكثر من شهر.

أنا والرجل وجها لوجه. عجوز أزهر أخوص (غارت عينه وضاقت) تحيط بعينيه تغضنات خفيفة، أنفه أفطس صغير، خديه ضامرين، شاربه كث أبيض ولحيته بيضاء مسترسلة أسفل الذقن، مع شعر أشهب منسدل على كتفيه، ولا أدري إن كانت له طرة أو لا لأنه يغطي رأسه بقبعة كبيرة من الخيزران التي يلبسها مزارعي الأرز والشاي في جزر شرق آسيا. يديه المفتولتين تعملان في شبكة الصيد ببراعة. الشبكة مفرودة أمامه، وهو يصلح ما نسل من خيوطها بسرعة صياد حذق خبر فنون الصيد وأدرك أسراره.

وبينما هو على هذه الحال، يلتفت لي فجأة بوجه مبتسم ويقول: “عقارب الساعة تدور والأحداث تتكرر، صحيح؟”

أتعجب من سؤاله. فمنذ شهر لا يلاحظ أحد ذلك على شاطئ مايبو سواي.

“كيف تعرف ذلك؟” أسأله بحذر متعجبا.

“أراك كل يوم تأتي لنفس النقطة في مياه المحيط. وتصطاد نفس السمكة ذات العين الذهبية بصنارتك. ألم تلاحظني؟” يجيب وهو يقهقه لدرجة أن الشبكة تفلت من يده.

“أوه، أنت المراكبي الذي يظهر ويختفي عند الأفق! ما الذي يحصل، أخبرني أرجوك؟” أسأله بفضول.

“لا شيء، كل ما في الأمر. أنك تستخدم الصنارة منذ وقت طويل لدرجة أن بكرتها صدئت وأنت لا تلاحظ ذلك.” يجيبني وينغمس في إصلاح الشبكة بين يديه.

“ما المشكلة في ذلك؟” أسأله متعجبا.

“لا مشكلة. ستتكرر معك الأحداث، الأفكار والمشاعر. وستشعر أنك تلهث في عجلة هامستر تدور وتدور وتدور، بدون أن تجد لذلك أي نتيجة في واقعك. هل تعرف أسطورة سيزيف، هههههه. على أية حال، خذ هذه لتحل مشكلتك.” ويرفع بكفه جزءا من شبكة الصيد التي بين يديه. ثم يلقيها علي ويقول: “أنجزت ما علي، وجاء دورك الآن.” ويتم ضحكته التي تخفت تدريجيا. ثم يخرج من الباب دون أن يكمل كوب الشاي أو يودع زوجتي ويختفي كالسراب.

الآن الشبكة بين يدي. ولا أدري كيف أستخدمها. سمعت عنها ورأيتها قبل ذلك دون أن يدفعني الفضول يوما لتعلم كيفية استخدامها. واليوم، تشاء الأقدار أن أكون في مأزق يحتم علي الخروج منه أن أتعلم الصيد بهذه الشبكة.

في اليوم الأول بعد لقائي العجيب بالمراكبي، حملت معي الشبكة المرقعة. حملتها بيد وحملت الصنارة باليد الأخرى وصعدت على القارب. وفي نفس النقطة التي أتوقف لصيد نفس السمكة فيها حدث أمر غاية في الغرابة!

سرب من أسماك ملونة بأحجام مختلفة تحوم حول القارب. فضية، سوداء، مرقطة، أرجوانية وذهبية. بعضها بطول أصبعين وأخرى تتجاوز المتر حسب تخميني. كلها تحوم حول قاربي بشكل يدعو للدهشة. ومن بعيد، عند الأفق بالتحديد، حيث يلتحم البحر بالسماء عند خيط رمادي. رأيت المراكبي نفسه يشير لي وبيده شبكة، ينثرها على سطح المحيط، ثم يسحبها رويدا رويدا وينثر ما تعلق بها في قاربه.

وضعت الصنارة جانبا. وأمسكت بالشبكة وفعلت كما فعل. انتظرت قليلا ثم سحبت الشبكة وفوجئت بأنني اصطدت كمية من الأسماك تعادل ما اصطدته خلال شهر منصرم!

من بعيد لوح لي المراكبي مودعا. وأظن أن وجهه أشرق بابتسامة. ثم اختفى فجأة كما ظهر.

جلست وسط القارب أحملق في الأسماك التي تتقافز على سطحه، وليس من بينها سمكة واحدة تشبه التي نأكلها كل يوم أنا وزوجتي منذ شهر. من بين تلك الأسماك سقطت سمكة صغيرة بجوار الصنارة ولفظت آخر أنفاسها قرب بكرتها الصدئة.

أنا الآن أعود للشاطئ مرة أخرى وبيدي سلة مليئة بالسمك. تقابلني زوجتي عند الباب مذهولة. عيناي تلمعان، وجهي ينضح بالعرق وعلى شفتي ابتسامة. نتعشى ثلاث سمكات كبيرات ذلك اليوم. وعلى غير العادة أحمل صنارتي وأضعها في مستودع صغير بالبيت نحفظ فيه ما تقادم من أشياء.

أنا الآن أجلس لأصلح ما تمزق من شبكة صيد المراكبي العجيب.. ولا أستطيع التوقف عن الضحك!”

حكاية لا تعرفها عن ميسي!

|| حكاية لا تعرفها عن ميسي ||


جرت أحداث هذه الحكاية القصيرة بمدينة جدة بنهاية شهر فبراير المنصرم من العام الجاري.

– ذات يوم التقيت ليونيل ميسي صدفة في مطعم البيك. ولحسن الحظ أنّ أحدا لم يعلم بتسلله إلى جدّة، بعد زيارته لأهرامات الجيزة، وقبل عودته للكامب نو. كنت خلفه في الطابور، واسترقت السمع لأعرف بأنه طلب وجبة الجمبري الاقتصادية مع عصير برتقال المراعي! بالطبع أنه فعل ذلك، خلسة، دون علم إدارة نادي برشلونة التي تمنع اللاعبين من أكل المقليات. غادرنا المطعم سويا، وتبادلنا الأرقام، وطلبت منه، حينها، أن يلبي دعوتي على كوب قهوة تركية في مقهى الفاروقي بعد التاسعة مساء. رحّب بالدعوة من فوره ولم يمانع.
التقينا هناك على الموعد. وكانت أعين الموجودين معلّقة بشاشة البلازما الضخمة التي تعرض كلاسيكو الكرة السعودية بين الاتحاد والهلال. لم ينتبهوا لنا، ولم نهتم لهم، وفاجأت ميسي بسؤال لا تسبقه مقدمة:” هل أنت أسطورة من صغرك؟”
“الناس والإعلام يقولون عني ذلك، أمّا أنا فلا يهمني سوى العمل على أرض الملعب.” أجابني وهو يتجرع القهوة وعلى وجهه علامات استياء من طعمها.
“العمل! ماذا تقصد بالعمل؟” سألته بسرعة.
“نعم يا سيد، منذ الثانية عشرة وأنا أعمل على تعلم مهارات وتقنيات كروية بسيطة كل يوم. ثم انتظمت هذه التقنيات وتجمعت على هيئة كُتَلٍ أكبر. وكلما كبرت هذه الكتل صارت ذات صدى على أرض الملعب. أيضا لا أنسى ذلك المدرب الذي كنت أكرهه يومها. كان يرهقني بتعلم تقنيات إضافية أعجز عن إتقانها في البداية. والغريب أنه تبدّى لي، مع مرور الوقت، بأنها من الأسباب الجوهرية فيما وصلت له الآن مما يظنه الناس معجزة.” ردّ عليّ وقد لمحته يسكب ما تبقى من كوب القهوة في الحاوية الموجودة بين ساقيه تحت الطاولة.
“ألم تشعر بالإحباط والملل بالإضافة لكرهك لذلك المدرب؟” سألته.
“كان مدربا ذكيا جدا. كان يضغط عليّ لأصل لأقصى ما يمكنني فعله في تلك اللحظة. ولمّا أقترب من حافة الانهيار أو الشعور بالإحباط. يتوقف، ويقول: أنت موهوب. لكنك تحتاج لمزيد من المران. وسنكمل حصتنا غدا.” أجابني سارحا، وكأن قدميه تطأ أرض الكامب نو في هذه اللحظة برفقة ذلك المدرب.
“ماذا أيضا يا أسطورة؟” سألته متلهفا.
“لست أسطورة يا صديقي. الأسطورة في ذهنك فقط أنت وبني جلدتك! وحقيقة أنني أستغرب من طريقة فهمكم للإبداع، العبقرية ومن تسمونهم بالأساطير والملهمين! حتى عندما مررت بمصر، أشار صحفي في مؤتمر تم عقده في القاهرة بأنني ظاهرة استثنائية لا تتكرر إلا كل قرن! ضحكت، وقلت له: أنا جزء من منظومة أوسع مما تظن. لقد تدربنا كثيرا في الكامب نو. وأخطأنا أكثر. ومن حسن حظي أنني تواجدت هناك ونشأت مع رونالدينهو، هنري، إيتو، إكسافي ثم غوارديولا. أنتم ترون الفصل الأخير المضيء مما تسمونه بالأسطورة ميسي، وتغيب عنكم سنوات من الكَدّ المتواصل، الالتزام بقواعد اللعبة، الرغبة الملتهبة والمدرب المجهول الذي لم يتحدث عنه الإعلام كثيرا. كان يخبرني ماذا أفعل، وكيف أفعل، ومتى أكثف من نشاط معين. كان يتحداني في كل يوم ويكرر علي بنهاية كل تمرين عندما أنبطح أرضا من الإعياء ويخفت بريق عينيّ: تستطيع وتستحق يا ميسي، وسنكمل حصتنا غدا. والغريب أنه اختفى بعد فترة وأكملت طريقي!
صدقني أنني أحاول أن أفهم يا سيد كيف تفهمون هذه الأمور وتفسرونها!
والآن اعذرني فإن لدي موعدا في فول العباسي مع بعض الرفاق. استمتعت بالجلسة معك، وسنكمل حوارنا لاحقا، وربما يكون لقاؤنا القادم في برشلونة.” ودعني بابتسامة ومصافحة قوية ثم استقل سيارة أجرة طلبها بتطبيق كريم، وعدت أدراجي للبيت لتوثيق هذه الحكاية التي لا يعرفها أحد سواي…


* ملحوظة: سمعت هذه الحكاية من أحد كشافي اللاعبين المعروفين بجدة. وطلب مني عدم ذكر أي معلومات عنه، أو إضافة أي تفاصيل أخرى للحكاية.

مشهد مفقود في الكلاسيكو

(سرد قصصي للمهتمين بكرة القدم، خاصة أنصار الريال والبرشا)

 

قبل البدء؛ معلومات هامة لغير المهتمين بكرة القدم:

– الكلاسيكو: مباراة كرة قدم بين فريقي برشلونة وريال مدريد الإسبانيين.

– الكامب نو: الملعب الرسمي لفريق برشلونة الإسباني.

– غوارديولا: مدرب سابق لفريق برشلونة الإسباني لكرة القدم، والمدرب الحالي لفريق مانشستر سيتي الانجليزي.

– اكزافي، انييستا، بوسكيتس وبويول: لاعبين سابقين بالفريق.

– لاسانا ديارا، سيرجيو راموس، اكزابي ألونسو، كاسيميرو وايكر كاسياس: لاعبين  بفريق ريال مدريد الإسباني.

– فان ديك، مالديني ونيسته: مدافعين مشهورين من فرق وأزمنة مختلفة.

 

السرد:

“قبل فترة وأنا أشاهد ميسي يحصل على الكرة الذهبية السابعة. سحبتني ذاكرتي لمشهد لم ينتبه له أحد من قبل! لا المشجعين ولا اللاعبين ولا حتى غوارديولا في كلاسيكو شهير على أرض الكامب نو! حيث انصب كل تركيزهم على المباراة، ولم يلحظوا أن هناك تواصل بين ميسي وبين أحد المجهولين في المدرجات. ذلك المجهول هو أنا!

 

نعم، كنا نطبق تجربة اتفقنا عليها لمَّا التقيته بآخر زيارة له في جدة (راجع مقال: حكاية لا تعرفها عن ميسي في المدونة shorturl.at/tRSW6 ). صحيح أن حوارنا انقطع، فجأة، وقتها. لكني وضعت بيده علبة بيضاء بحجم قبضة طفل حديث الولادة. ثم همست في أذنه:” هذه سماعة شفافة صغيرة جدا، ولا يمكن لأحد ملاحظتها. ضعها في أذنك بالكلاسيكو القادم. سنخوض معا تجربة (الحوار الحي أثناء الحدث). لا تنسى.. أوكي.”

غمز بعينه، وابتسم ابتسامته المعتادة التي أظهرت أنيابه، ثم اختفى..

 

اليوم، أنا في مدرجات الكامب نو. وفي أذني سماعة مشابهة للتي في أذن ميسي. أردت أن أطمئن أن كل شيء على ما يرام. وقبل أن يطلق الحكم صافرة البداية، سألته:”ميسي.. أنت معي؟”

“نعم.” أجاب وهو يحك رأسه تفاديا لأن تلتقط الكاميرات منه حركات شفتين مريبة.

 

الآن، حانت اللحظة المرتقبة. ميسي في واحدة من اختراقاته المعهودة.

“انتبه! لاسانا وراموس في أعينهم الشرر. سينقضون عليك.” صرخت ولم ينتبه أحد، فالمدرج يضج ويصخب كلما لمس ميسي الكرة! 

“أعرف!!” أجابني وقد تجاوز ألونسو.

وفجأة، حصل ما كان متوقعا. ارتطم راموس بميسي من الأمام. وعرقله لاسانا من الخلف، وحاصروه كفكَّي كماشة. تدحرج على أرضية الملعب وهو يصرخ ممسكا بساقه.

اكزافي، انييستا وبوسكيتس ركضوا ناحية لاسانا وراموس. ولولا تدخل بويول لنشبت معركة بين الفريقين. وميسي ما زال ممددا على أرضية الملعب يتلقى العلاج.

“تعرف وتستمر في المرواغة! لماذا؟” أسأله وأنا أراقب من بين الرؤوس المتذمرة أمامي، وصرخات الاستهجان وحركات أخرى.

مدَّ ميسى ساقه ثم ثناها. ثم وقف وضرب الأرض بعقبيه. اطمأن، واطمأن الطاقم الطبي. وضع كفه على فمه ككل اللاعبين عندما لا يريدون من الكاميرا أن تلتقط حركة شفاههم وقال بصوت خافت:” المرمى أمامي. وهدفي أن أسجل هدفا في ذلك المرمى. اليوم لاسانا وراموس. وغدا فان ديك وكاسيميرو. وبالأمس مالديني ونيسته. هل تتوقع مني أن أقف متضرعا عند أي مدافع حتى يسمح لي بالمرور؟! بالتأكيد لا. فهدفي أن أسجل في ذلك المرمى. ولن أكترث بأي مدافع سيواجهني طالما أنه لن يقتلني هههه!”

 

ثم بصق ككل اللاعبين وهو يرفع جواربه. ومن ضربة حرة غير مباشرة مررها له بوسكيتس على حين غِرَّة. اخترق ميسي صفوف المدريديين.. الأول.. الثاني.. الثالث.. الرابع.. جوووول! الكرة تعانق الشباك. وكاسياس يضرب بقبضته الأرض وهو يصرخ في دفاع فريقه.

ميسي يركض جذلا ومن خلفه اكزافي والبقية جذلين يتراقصون.

 

تنتهي المباراة. وتضعف إشارة التواصل بيني وبين ميسي لبعد المسافة بعد أن دخل غرفة الملابس. أسمع صوت تشويش. وعبارات بصوت يشبه صوت غوارديولا وهو يهمس لميسي:”أخيرا يا ميسي! صحيح أن بنيتك ولياقتك تطورا كثيرا. لكن ما أبهرني، فعلا، هو تركيزك على المرمى.. والمرمى فقط. لم تعد تغوص في مشاعرك مع من يعترضك من المدافعين. وترد على هذا وتنتقم من ذاك وتلتهي بحركات جمهور الخصم أو بحكم يتقصد ظلمك. أصبحت مهووسا بسماع كلمة جوووول وتجاهل كل ما سواها…” ثم انقطعت الإشارة تماما. ووصلتني رسالة SMS من ميسي معبرا فيها عن شكره لتجربة الحوار الحي..”

 

 

كتبه: عمر أحمد،

في جدة،

الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 م.